الأطفال هم أبطال المسرح التفاعلي في المدارس
في أحد الشوارع الفرعية لمنطقة برزة يقع مبنى مدرسة برزة المحدثة، حيث تجد في الدور السفلي للمبنى منصة ضيقة مزينة برسومات لللأطفال؛ شمس وأعلام وطلاب تلعب. وهناك نرى عشرون صف من المقاعد الفارغة باستثناء سيدتين وطالب قاموا بحضور هذه الجلسة التعريفية للأهالي التي يديرها ثلاثة مدربين يقفون على المنصة وعلى وجوههم علامات الإحباط.
"تعتبر برزة من المناطق الصعبة نظراً لنسبة الفقر المرتفعة وعدد الطلاب المتخلفين عن المدرسة" قالت مي قوطرش،"لقد قمنا بالاتصال شخصياً بكل الأهالي لحضور هذا الاجتماع، ماذا بإمكاننا أن نفعل أكثر من ذلك؟ إن شيء محبط لدينا أكثر من 30 طفل يرغبون أن يكونوا جزء من المشروع".
المشروع الذي أشارت إليه قوطرش هو المسرح التفاعلي في المدارس الحكومية. تم إطلاق مشروع المسرح التفاعلي في المدارس الحكومية في أيلول 2009 من قبل روافد – المشروع الثقافي لدى الأمانة السورية للتنمية، د. ماري الياس، خبيرة في برامج المسرح التفاعلي، ومؤسسة دروسوس. ويتلقى المشروع الدعم أيضاً من وزارة التربية التي تنشر هذه المبادرة كنموذج تعاون بين الجهات الحكومية والمنظمات الغير حكومية.
يقدم المسرح التفاعلي في المدارس الحكومية مفاهيم تعليم مبتكرة وذات وعي اجتماعي ضمن المدارس الحكومية من خلال إحياء المسرح المدرسي وتحديداً في المناطق الأكثر فقراً. بدء المشروع في خمس مدارس تجريبية والآن توسع إلى ست مدراس.
"لقد كان تجاوب الطلاب ملفتاً، فهم يشعرون بأنهم جزء من شيء هام ومميز" وأضافت قوطرش: "إن التحدي بالنسبة لنا هو أن نوصل للجميع فكرة أهمية المسرح والدراما كجزء من تعليم الأطفال".
قوطرش هي واحدة من 26 مدرب يشاركون في المشروع وكل المدربين هم إما من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية أو موظفين في مديرية المسرح المدرسي. وقد خضع هؤلاء المدربين إلى تدريب إضافي حول الأدورات والتقنيات المستخدمة في المسرح التفاعلي بالغضافة إلى كيفية التعليم والتفاعل مع الأطفال.
لقد شارك حتى الآن أكثر من 300 طالب بين أعمار 8 و16 في مشروع المسرح التفاعلي في المدارس الحكومية، و بالنسبة لمعظمهم هي المرة الأولى التي يكونون فيها على تواصل مباشر مع مختصين في مجال المسرح. يتضمن المنهاج ألعاب درامية تشجع الأطفال على ربط أفكارهم ومشاعرهم بشكل فعال والإضغاء والتحدث مع زملائهم. ويتم تتويج ورشات العمل لتطوير المهارات بعروض تجريبية مبنية على مواضيع تهم الطلاب. ويقوم المدربين ببساطة خلال هذه العملية بالإشراف وتوجيه الطلاب الذين يعدون المسؤولين عن تطوير كافة جوانب العرض من نص وديكور وصوت وإضاءة.
د.الياس هي اول شخص قام بتقديم مفهوم المسرح التفاعلي في سورية وهي تقول:"بعيداً عن المسرح التقليدي الذي يمتلك قصة مكان محددين، نعتمد على التفاعل المباشر بين الطلاب والجمهور لذا يكون البناء الدرامي تشاركي".
يأتي عمل الدكتورة الياس ومشروع المسرح التفاعلي في المدارس الحكومية كجزء من التوعية الشاملة المتنامية حول فوائد إدخال الدرما والبرامج الفنية ضمن المناهج التعليمية. في الحقيقة أثبتت الدراسات الحديثة العلاقة الوثيقة بين مشاركة الطلاب ضمن هذا النوع من البرامج من جهة وتحسن اللغة والقراءة والمهارات الاجتماعية والأداء الأكاديمي والحضور المدرسي لديهم من جهة أخرى. بالإضافة إلى تحسن ملحوظ في ثقة الأطفال بأنفسهم وتقديرهم للفنون.
بينما كان بعض الأهالي والإداريين يأخذون المزيد من الوقت لتقبل هذا المفهموم الجديد في التعليم، كان آخرون أكثر دعماً وترحيباً لهذه التجربة. في مدرسة تيسير صوان، في ضواحي منطقة المزة، لعب الأهالي دور أكثر فعالية وضمن ورشة عمل حول عروض خيال الظل لاحظت إحدى الأمهات بان ابنتها كانت أكثر خجلاً مع الناس وبأن مشاركتها في مشروع المسرح التفاعلي ساعدتها لتكون أكثر انفتاحاً مع زملائها. وقد أضاف الأهالي بأن أولادهم كان متحمسين للمشروع رافضين التغيب عن أي من النشاطات.
وبينما تستمر المبادرة التجريبية بالتطور بدأ المشروع يأخذ أيضاً دور علاجي من خلال التدريبات التي أصبحت منبر للحوار بي الطلاب ومحيطهم الاجتماعي. في مدرسة المتنبي، منطقة دمر، تساعد المدربة رضاب نهار بتحضير تدريب مفتوح يتم فيه دعوة الأهالي وبعض الطلاب الآخرين، بحيث يقوم الطلاب بوضع أربع سكتشات. في أحد السكتشات تعبر فتاة شابة ذو وجه مستدير جميل عن مدى إحباطها من والدها الذي لايسألها أبداً عن علاماتها في المدرسة على الرغم من تفوقها.
"بابا، لماذا تعاملني بشكل مختلف عن إخوتي؟ أنا طالبة أكثر تفوقاً" تناشد الفتاة والدها. الولد الذي يقوم بتمثيل دور الأب يوسع صدره ليبدو أكبر حجماً ويجيب: "انت فتاة!" ويهدد بسحبها من المدرسة. وتتضمن أحد المشاهد والد يقوم بفرض الحجاب على ابنته، وإداري في المدرسة يحاول منع الطلاب من المشاركة في مشروع المسرح التفاعلي، وولد يتعرض للاتهام الباطل بالتزوير من قبل والده ومعلمه.
ستتاح الفرضة للأهالي لمشاهدة هذه السكتشات والتفاعل مع الطلاب، وعلقت الدكتورة الياس:"خلال العروض الأخيرة كانت ردود الفعل ملفتة وقد عبر لنا الأهالي عن أسفهم لعدم مشاركتهم بشكل أكبر خلال كافة مراحل المشروع".
لقد باتت ردود الفعل هذه أكثر وضوحاً وتفكر الآن وزارة التربية بتبني هذه المبادرة كجزء من المنهج التعليمي في المدارس الحكومية. وعلى الرغم من أن مدارس مثل برزة المحدثة تستمر بمواجهة تحديات إلا أن المدربين والقائمين على مشروع المسرح التفاعلي يأملون بأن رد الفعل الإيجابي سيبدأ بالانتقال إلى المدارس الأخرى وخاصةً إلى الأهالي والإداريين.
"في نهاية اليوم إن مشروع المسرح التفاعلي في المدارس الحكومية يحدث تغيير كبير في حياة الطلاب" تقول قوطرش "وإذا كان هذا يتطلب منا الاستمرار بالتواصل مع الأهالي وتشجيع الإداريين فهذا مايجب علينا فعله"


