كيف يمكننا تحفيز مجتمعات متميّزة على التعاون ضمن مبادرات ثقافيّة تنمويّة؟

مع بداية عام 2011 قام روافد بالتعاون مع المجلس الثقافيّ البريطاني ومفوضيّة الاتحاد الأوروبيّ على تنفيذ سلسلة من ورشات العمل في محافظة حمص لمساعدة المجتمع المحليّ في اختيار عدة مبادرات ثقافية محلية صغيرة الحجم وتنفيذها.

وتأتي ورشات العمل كجزء من البرنامج التجريبيّ لروافد في منطقة وادي النضارة (المؤلفة من 38 قرية)، والذي يهدف إلى تزويد الناس بأدوات العمل والدّعم للاستثمار في مواردهم الثقافيّة والاستفادة من إبداعهم لتحسين نوعية حياتهم ومجتمعاتهم.

وقد ركّز البرنامج قبل ورشات العمل على مفهوم البحث التشاركي، حيث قامت مجموعةٌ من المتطوّعين والباحثين المحليين المدربين بجمع معلوماتٍ واستبياناتٍ وإجراء مقابلات للتعرّف إلى رأي السكّان بهويّتهم ومورادهم الثقافيّة.

وتشتهر منطقة وادي النضارة بمواقعها التراثيّة الهامّة (مثل قلعة الحصن)، وقد تمّ اختيارها كمنطقة تجريبيّة لتاريخ المشاركة النشيطة للمجتمع المدنيّ (من خلال مجموعاتٍ ومجالس رسميَّةٍ وغير رسميَّةٍ) كما تشتهر بالتعداد السكاني العالي لفئة الشباب.

إلا أنّه بعد مرور سنةٍ ونصف على دخول روافد للمنطقة ، وبعد الانتهاء من مرحلة البحث واجه فريق العمل صعوبةً في التواصل مع سكّان القرى وتذكيرهم بالفرص والإمكانيات الموجودة في سبيل نشر هويتهم المحليّة وحمايتها ، وتنمية الاقتصاد المحلي ، وذكرت شذى قندقجي، مديرة البرنامج "شكل البحث أداة قيّمة بالنسبة لنا لأنه أثبت ومن دون شكٍّ أنَّ الناس لديهم تعطشٌ لتطوير مجتمعاتهم ولإظهار تراثهم الغنيّ، وبحكم عدم تواصلنا مع الناس لفترةٍ معيّنة ترتّب على ذلك المزيد من الوقت، لذا كان من المهمّ أن نقول دعونا الآن نترجم هذا العمل إلى مشاريع ملموسة ، ونناقش كيف يمكن للناس أن يكونوا أدواتٍ للتغيير في مجتمعاتهم بالاعتماد على نتائج البحث".

بالإضافة إلى إعادة التواصل حرص روافد على مشاركةٍ وتمثيلٍ متساوٍ من كافة القرى في ورشات العمل ، وساهمت عدّة عوامل في جعل هذا العمل نوعاً من التحدّي نظراً للتباين الاجتماعيّ والاقتصاديّ بين هذه القرى والتصور المسبق الموجود لدى أفراد بعض القرى تجاه سكّان القرى الأخرى مثل انعزال بعض القرى بشكل كامل عن الآخرين.

وعلّقت قندقجي: "كان هذا الوضع بمثابة تحدٍّ بالنسبة لنا، ولكنّنا علمنا أنّه حين نتمكّن من إشراك الناس في ورشة العمل الأولى ستنتشر الفكرة بشكل أسرع وسيشجّع الناس بعضهم على المشاركة".

وكخطوةٍ أولى، توجّه فريق العمل إلى الناس الذين عملوا معنا سابقاً كالمتطوعين في مرحلة البحث (وهم أغلبهم من الطلاب) وطلب منهم المشاركة ودعم ورشة العمل ، ثم قام روافد بالتوجُّه إلى مجموعاتٍ محليَّةٍ من عدّة قرى مثل الكشّافة لضمّ عرض تقديميّ وترشيح أسماء مشاركين. وأخيراً توجّه روافد إلى مجالس القرى وطلب منهم اقتراح أسماء أشخاص نشيطين ضمن مجتمعاتهم بالإضافة إلى إرسال ممثل عن المحافظة إلى كلّ ورشة عمل. 

وذكر أحد المشاركين: "كان حضور ريما عباس، مديرة مكتب التنميّة الريفيّة في محافظة حمص، يعني بأنه لدينا تواصلاً مباشراً مع ممثّل من المحافظة وللمرة الأولى، مما جذب العديد من الناس إلى المشاركة".

في شباط عام 2011 حضر 24 فرداً من المجتمع المحليّ قادمين من 4 قرى (مرمريتا، الحصن، عناز، المشتايه) ورشة العمل الأولى ، وضمت المجموعة 11 من الإناث وعدداً كبيراً من طلاب المدارس والجامعات، تمّ تقسيم المشاركين إلى مجموعاتٍ متنوّعة كما تمَّ ترشيح عدد من المشاريع لتتمّ مناقشتها على نطاق موسّع، وفي المراحل الأخيرة قاموا بالتصويت للمشاريع التي يرغبون في تنفيذها.

وعلّق الياس جنورة - مدرس من مرمريتا- : "لقد شعرت بالتعزيز لأنّنا كنّا نحن من يختار ويصمّم المشاريع وأصبحت لدي قناعةٌ بأنّ الجميع يملكون الموهبة والقدرة لتحسين حياتهم".

قام المشاركون في ورشة العمل باختيار مشروعين ليتمّ تنفيذهما، الأول عبارةٌ عن نادٍ ثقافيٍّ متنقِّل يقدِّم فرصاً للعمل والنشاطات الثقافيّة على امتداد القرى، أما الثاني فهو مبادرةٌ تهدف إلى تشجيع الإبداع والعمل الفني لدى الأطفال ورعايته.

من الجدير ملاحظته أنّ تنفيذ المشاريع هو مسؤوليّة السكّان مع دورٍ داعم لروافد بتوفير الاحتياجات اللوجستيّة والتشبيك والاتصالات والاستشارة القانونيّة وغيرها.

وبالإضافة إلى المشاريع نفسها كان هناك عددٌ من المخرجات تساعد على تعزيز وجود البرنامج ضمن المنطقة حيث تشكّلّ وعيٌ عند الناس بأنهم قادرين على خلق تأثيرٍ إيجابيٍّ من خلال التنظيم وتبادل الأفكار فيما بينهم والاستلهام من البيئة الثقافيّة المحيطة ، وقد استطاعوا أن يكونوا أكثر فاعليّة من خلال دعم هذه الأفكار والتعاون مع القرى الأخرى لخلق شعورٍ من التضامن بين السكّان. وأخيراً، تمكّنوا من التواصل والعمل مع مسؤولين وممثلين من المحافظة ، وفي الحقيقة بعد انتهاء ورشات العمل قام بعض المشاركين بإرسال عدّة رسائل يطلبون فيها من المحافظة أن تنظر ببعض القضايا التي تهمُّهم مثل حرق النفايات في المنطقة وتلقَّوا استجابةً فوريَّةً ، وهم يعملون الآن مع المحافظة بشكل مباشرٍ لحلِّ هذه القضايا.

وتلي هذه الورشة ورشتا عمل شارك في كلِّ واحدةٍ منهما 20-25 مشاركاً من قرى مختلفة نتج عنها عددٌ من المشاريع الثقافيّة المجتمعيّة (وتتضمّن إعادة إحياء مركزٍ ثقافيّ ومشروع حرفٍ يدويَّةٍ محليَّةٍ). وذكرت ريما عباس، محافظة حمص،" كان من الواضح أنّ الناس كانوا يتحدثون مع بعضهم عن ورشات العمل ، ووصلتنا طلباتٌ من القرى الأخرى التي سمعت عن المشروع بدعوة روافد لتنظيم ورشات عمل مماثلة في المنطقة".

مع الملاحظة أنّ جميع المشاريع الثقافيَّة قد تلقّت منحاً صغيرةً للبدء بالتنفيذ.